الشيخ محمد رشيد رضا
473
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وإن لنا في دماغ الانسان العبرة في هذا المقام فهو كلوح ترسم فيه أقلام المعلومات الحسية والعقلية والنفسية في كل آن علما جديدا يمكنه أن يرجع اليه في المستقبل فيقرأ ما خطه فيه الزمن الماضي كما يراجع ما يكتب في القراطيس ويدون في الاسفار ، فإن كان ينسي كثيرا منه في الدنيا ، فسيقرأه كله في كتابه ( 79 : 35 يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى ) ويشير إلى هذا المعني تأويل الغزالي الذي أشرنا اليه آنفا فإنه ضرب مثلا للمغرورين بالأسباب القريبة للحوادث الذين لا ترتقي أنظارهم في سلسلة الأسباب إلى أن ينتهوا منها إلى خالقها وجاعلها أسبابا - ضرب لهم مثلا نملة واقفة على قرطاس تبصر رأس القلم يجري عليه فيسخمه بالسواد فتنسب هذا الفعل اليه إذ لا يمتد نظرها إلى اليد المحركة له دع صاحب اليد الكاتب به الذي لولاه لم تره يكتب وقد شرح الغزالي هذا المثل بعبارة طويلة من أبلغ ما كتب قلم السيال جعلها محاورة بين أحد الناظرين عن مشكاة نور اللّه وبين القلم واليد من جوارح البشر ثم بين القدرة والإرادة والعلم من صفات البشر ثم انتقل من ذلك إلى القلم الإلهي والصفات الإلهية : عاتب القلم الذي سود القرطاس فأحاله على اليد المحركة له وهي أحالته على القدرة التي صرفتها في قطع القلم وبريه والكتابة به ، فلما سألها عن سبب ذلك أحالته على الإرادة المسخرة لها ، وكونها لا تستطيع مخالفة أمرها ، وهذه احالته على العلم والعقل الذي هو مرشدها وصاحب السلطان عليها لا تنبعث الا إذا بعثها ، فلما انتهى إلى العلم وسأله عن سبب بعثه الإرادات إلى تسخير القدر في استخدام الجوارح اجابه انه خط رسمه القلم الإلهي في لوح القلب وقال له فسل القلم عني ، وذكر له ان هذا القلم من عالم الملكوت الذي لا يدرك بالحس وان في طريق وصوله اليه المهامه الفيح والجبال الشاهقة ، ثم قال الغزالي بعد حوار طويل في ذلك : « فقال السالك السائل قد تحيرت في أمري واستشعر قلبي خوفا مما وصفته من خطر الطريق ولست أدري أطيق قطع هذه المهامة التي وصفتها أم لا فهل لذلك من علامة ؟ قال نعم افتح بصرك واجمع ضوء عينيك وحدقه نحوي فان ظهر لك القلم الذي به انكتبت في لوح القلب فيشبه أن تكون أهلا لهذا الطريق فان كل من جاوز عالم الجبروت ( أي عالم الصفات البشرية ) وقرع بابا من أبواب الملكوت كوشف بالقلم ، أما ترى أن النبي صلي اللّه « تفسير القرآن الحكيم » « 60 » « الجزء السابع »